ميرزا حسين النوري الطبرسي

89

النجم الثاقب

وكان السيد المذكور قد توارى عن وطنه لتعدي حكام الجور لأنهم كانوا يريدون أن يدخلوه في السلك العسكري ، بدون بضاعة ولم يكن عنده يوم خرج من جبل عامل إلاّ قمري واحد وهو عشر القِران ، ولم يسأل أحداً أبداً ، وقد ساح مدّة من الزمن . وقد رأى أيام سياحته عجائب كثيرة في اليقظة والمنام ، وأخيراً جاور في النجف الأشرف وسكن في الصحن المقدّس من الحجرات الفوقانيّة جهة القبلة ، وكان مضطرباً جداً ، ولم يطّلع على حاله الّا اثنان أو ثلاثة حتى توفي ، وقد كانت المدّة من حين خروجه من وطنه إلى وفاته خمس سنوات ، وكان أحياناً يمّر عليّ ، وكان كثير العفّة والحياء والقناعة يحضر عندي أيام إقامة التعزية ، وربّما استعار منّي بعض كتب الأدعية . ربما انه كثيراً من الأوقات لم يتمكّن من الحصول على شيء سوى بعض تُميرات وماء بئر الصحن الشريف ، لهذا كان يواظب بشدّة على الأدعية المأثورة لسعة الرزق حتى كأنه ما ترك شيئاً من الأذكار المرويّة والأدعية المأثورة . فكان مشغولا في ذلك أغلب لياليه وأيامه . واشتغل مدّة بكتابة عريضة إلى الإمام الحجة عليه السلام وعزم على أن يواظب عليها مدّة أربعين يوماً ، ويخرج كلّ يوم قبل طلوع الشمس من البلد ويقترن بفتح الباب الصغير إلى جهة البحر ، ويبعد عن طرف اليمين مقدار فرسخ أو أزيد بعيداً عن القلعة بحيث لا يراه أحد ثمّ يضع عريضته في بندقة من الطين ويودّعها أحد نوّابه سلام الله عليه ويرميها في الماء ، إلى أن مضى عليه ثمانية أو تسعة وثلاثون يوماً . قال : فرجعت يوماً عن محل رمي الرقاع وكنت مطأطئاً رأسي وأنا في ضيق ، فالتفتّ فإذا أنا برجل كأنّه قد لحق بي من ورائي وكان في زي عربي ( وكفية وعقال ) فسلّم ، فأجبت في ضيق بأقل ما يردّ ولم التفت إليه لأنه لم يكن لي رغبة في الكلام مع أحد ، فماشاني مقداراً من الطريق ، وبقيت أنا بنفس الحالة السابقة .